
عادت منطقة تيغراي شمالي إثيوبيا إلى واجهة المشهد العسكري مجددًا، مع تصاعد المواجهات بين القوات المرتبطة بجبهة تحرير تيغراي والقوات الفيدرالية، بعد أقل من أربع سنوات على اتفاق السلام الذي أنهى الحرب السابقة في الإقليم.
وتزامن التصعيد مع سيطرة قوات تيغرية على مطارات في المنطقة، بينها مطار ألولا أبا نغا في مدينة ميكيلي، عاصمة تيغراي، بينما أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها إلى ميكيلي وأكسوم وشاير، على خلفية تدهور الوضع الأمني.
وامتدت المواجهات إلى مناطق مجاورة، خصوصًا إقليمي عفر وأمهرا، في وقت يتزامن فيه التصعيد العسكري مع إعلان تحالف جديد يضم 7 جماعات إثيوبية مسلحة، بينها أطراف سبق أن خاضت مواجهات ضد بعضها بعضًا خلال الحرب السابقة.

سيطرة على مطارات وتعليق الرحلات الجوية
أفادت مصادر وتقارير بأن قوات تيغرية سيطرت على مطار ألولا أبا نغا في ميكيلي، إلى جانب مطارات أخرى في الإقليم، وسط تصاعد التوترات الأمنية.
وأعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية وقف رحلاتها إلى ميكيلي وأكسوم وشاير اعتبارًا من الأربعاء 23 سبتمبر، دون تحديد موعد لاستئناف الخدمة، في خطوة عكست تأثير التطورات العسكرية على حركة النقل الجوي في شمال البلاد.
وفي المقابل، اتهم غيتاتشو رضا، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قيادة جبهة تحرير تيغراي بشن هجوم واسع على مواقع حكومية في عفر وأمهرا.
وقال رضا في منشور عبر منصة «إكس» إن قيادة الجبهة بدأت هجومًا واسعًا على مواقع تابعة للحكومة، فيما لم يتسن بصورة مستقلة التحقق من جميع تفاصيل المعارك الميدانية.
وتقدم السلطات في تيغراي رواية مختلفة، إذ قالت الإدارة الإقليمية إن قواتها تحركت للرد على ما وصفته بقصف مكثف نفذته القوات الفيدرالية باستخدام الطائرات والطائرات المسيّرة والمدفعية، وهي رواية لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.
تحالف من 7 جماعات مسلحة ضد الحكومة
وجاء التصعيد الميداني بعد أيام من إعلان 7 جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف جديد تحت اسم «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، معلنة أن هدفها مواجهة الحكومة الفيدرالية والعمل على تشكيل إدارة انتقالية.
ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي، وجماعات فانو في إقليم أمهرا، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين، والجبهة الديمقراطية الثورية المتحدة لعفر، وحركة تحرير شعب بني شنقول، وحركة شعب غوموز الديمقراطية.
ويمثل هذا التشكيل تطورًا لافتًا في المشهد الإثيوبي، خاصة أن بعض القوى المنضوية فيه كانت تقاتل في معسكرات متعارضة خلال الحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020.
فقد كانت جبهة تحرير تيغراي طرفًا رئيسيًا في الحرب ضد الحكومة الفيدرالية، بينما قاتلت قوات فانو إلى جانب القوات الحكومية خلال الصراع نفسه. أما جيش تحرير أورومو، فيخوض منذ سنوات تمردًا مسلحًا في أجزاء من إقليم أوروميا، أحد أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث عدد السكان.
وتجمع هذه القوى حاليًا معارضة الحكومة الفيدرالية، رغم استمرار الاختلافات بينها بشأن قضايا سياسية وعرقية وإقليمية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التعاون بينها وقدرته على الاستمرار.
اتفاق بريتوريا يواجه مرحلة جديدة من التوتر
اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر 2020، قبل أن يتوصل طرفا الصراع إلى اتفاق بريتوريا للسلام في جنوب إفريقيا خلال نوفمبر 2022، لينهي مواجهة دامية استمرت عامين.
وقدرت تقارير مرتبطة بالاتحاد الإفريقي عدد القتلى خلال الحرب بنحو 600 ألف شخص، بينما لا تزال آثار الصراع الإنسانية قائمة، مع استمرار نزوح نحو مليون شخص من الإقليم وفق تقارير حديثة.
ورغم اتفاق السلام، بقيت مجموعة من الملفات السياسية والأمنية والإقليمية دون حسم كامل، فيما تصاعدت خلال الأشهر الماضية الاتهامات المتبادلة بين الحكومة الفيدرالية والقيادة في تيغراي بشأن تنفيذ بنود الاتفاق.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الاشتباكات والتوترات عادت تدريجيًا منذ أواخر عام 2025، مع حشد قوات على الحدود بين تيغراي والحكومة الفيدرالية ووقوع ضربات بطائرات مسيّرة، ما زاد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

إريتريا وأزمات القرن الإفريقي
يمتد تأثير التصعيد إلى خارج الحدود الإثيوبية، في ظل الدور الذي لعبته إريتريا خلال الحرب السابقة في تيغراي، عندما تدخلت قواتها إلى جانب الحكومة الإثيوبية.
واتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا في فترات مختلفة بدعم جماعات مسلحة داخل البلاد، بينما نفت أسمرة هذه الاتهامات. وتضيف هذه التوترات بعدًا إقليميًا إلى الأزمة، في منطقة تشهد أصلًا تحديات أمنية متشابكة مرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويتزامن التصعيد في شمال إثيوبيا كذلك مع استمرار الحرب في السودان المجاور، بما يزيد تعقيد البيئة الأمنية والإنسانية في المنطقة، خاصة مع وجود حدود مشتركة وحركة مستمرة للسكان والنازحين.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في مواجهة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي، بعدما دخلت جماعات مسلحة من مناطق إثيوبية مختلفة في تحالف معلن ضد الحكومة، بالتزامن مع امتداد الاشتباكات إلى عفر وأمهرا.


