
شهدت أسواق السلع العالمية تحركات لافتة بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة عقوبات جديدة مرتبطة بإيران، وسط تصاعد المخاوف بشأن مستقبل إمدادات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، فيما اتخذ الذهب مسارًا أكثر هدوءًا مع ترقب المستثمرين لبيانات التضخم الأمريكية وتوقعات أسعار الفائدة.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أعلنت في 8 سبتمبر 2026 إجراءات عقابية جديدة استهدفت قطاع الطيران الإيراني وشبكات وشركات مرتبطة به، في خطوة قالت واشنطن إنها تستهدف إيرادات وقدرات النظام الإيراني على الوصول إلى الأسواق العالمية. وشملت الإجراءات 27 شركة طيران إيرانية وعددًا من الشركات والوسطاء في دول أخرى، ضمن حملة الضغط الاقتصادي الأمريكية على طهران.

النفط يقترب من حاجز 100 دولار
لم تتعامل أسواق النفط مع التطورات المتعلقة بإيران باعتبارها مجرد عقوبات اقتصادية، وإنما انعكست عليها بصورة أكبر المخاوف من اتساع نطاق التوترات العسكرية وتعطل حركة شحنات الطاقة في منطقة الخليج.
وارتفع خام برنت خلال تعاملات 8 سبتمبر إلى مستويات قاربت 100 دولار للبرميل، بينما تحرك خام غرب تكساس الوسيط قرب مستوى 93 دولارًا، في ظل ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالشرق الأوسط.
وأظهرت بيانات السوق أن خام برنت سجل خلال جلسة الثلاثاء مستوى مرتفعًا بلغ نحو 99.46 دولار للبرميل، قبل أن يغلق عند مستويات أقل قليلًا، وهو ما يعكس قوة المخاوف بشأن الإمدادات وليس تأثير العقوبات الأمريكية وحدها.
التوتر في مضيق هرمز يضغط على أسعار الخام
يأتي صعود النفط في وقت تشهد فيه حركة الملاحة في المنطقة اضطرابات ومخاوف متزايدة بشأن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وتشير بيانات السوق إلى أن حركة السفن عبر المضيق تباطأت مع تصاعد التهديدات الإيرانية بالرد على أي هجمات أمريكية جديدة، وهو ما يزيد المخاوف من احتمال تعرض إمدادات الطاقة العالمية لمزيد من الاضطرابات.
وبالتالي، فإن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الصراع الأمريكي الإيراني، واضطرابات الملاحة، والهجمات التي طالت منشآت للطاقة في السعودية، إلى جانب العقوبات الأمريكية الجديدة.

الذهب يتحرك عكس اتجاه النفط
على الجانب الآخر، لم يسجل الذهب قفزة قوية رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، إذ تحرك المعدن النفيس في نطاق محدود حول مستوى 4400 دولار للأوقية.
وسجل الذهب الفوري تراجعًا طفيفًا خلال تعاملات الثلاثاء، ليصل إلى نحو 4398.71 دولار للأوقية، بينما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب أيضًا.
ويعكس هذا الأداء حالة من التوازن بين عاملين متناقضين؛ فمن جهة، تدفع المخاطر الجيوسياسية المستثمرين عادةً إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، ومن جهة أخرى فإن ارتفاع أسعار النفط يزيد مخاوف التضخم، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشددًا، الأمر الذي يضغط على الذهب.
بيانات التضخم الأمريكي تحدد اتجاه الذهب
يتابع المستثمرون في سوق الذهب خلال الفترة الحالية بيانات التضخم الأمريكية عن كثب، باعتبارها عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتشير تحركات السوق إلى أن توقعات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر تمثل عامل ضغط على الذهب، خصوصًا أن ارتفاع الفائدة يزيد تكلفة الاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائدًا مثل المعدن الأصفر.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يوفر دعمًا للذهب ويحد من احتمالات الهبوط الحاد، وهو ما يفسر التحركات المحدودة التي شهدتها الأسعار رغم ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
الأسواق تترقب تأثير العقوبات على إمدادات الطاقة
ورغم أن العقوبات الأمريكية الجديدة تستهدف قطاع الطيران الإيراني بصورة أساسية، فإن الأسواق تراقب تداعياتها الأوسع على الاقتصاد الإيراني وقدرة طهران على التعامل مع النظام المالي والتجاري العالمي.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد وسعت خلال أغسطس حملتها ضد مصادر الإيرادات الإيرانية، مؤكدة أنها تستهدف شبكات تهريب النفط والقنوات المالية التي تستخدمها إيران لتوليد الإيرادات ونقلها.
كما شملت إجراءات سابقة قطاعات مرتبطة بالذهب والطيران والشحن والتكنولوجيا، في إطار استراتيجية أمريكية تستهدف تقليص قدرة إيران على الوصول إلى الموارد والأسواق الدولية.

مستقبل النفط والذهب مرتبط بتطورات إيران
وتشير التطورات الحالية إلى أن اتجاه أسعار النفط والذهب خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب وضع حركة الملاحة في الخليج.
وبالنسبة للنفط، فإن أي اضطراب إضافي في تدفقات الخام من منطقة الخليج قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، خصوصًا إذا استمرت المخاوف بشأن مضيق هرمز. وفي المقابل، فإن تراجع حدة التوتر أو ضمان استمرار تدفقات النفط قد يخفف علاوة المخاطر ويدفع الأسعار بعيدًا عن حاجز 100 دولار.
أما الذهب، فمن المرجح أن يظل تحت تأثير عاملين رئيسيين؛ الأول هو الطلب على الملاذات الآمنة بسبب التوترات الجيوسياسية، والثاني هو مسار الفائدة الأمريكية والتضخم، ما يجعل تحركه أقل ارتباطًا بالعقوبات الإيرانية وحدها.


