طريق بحري جديد في القطب الشمالي يثير اهتمام العالم.. هل يغير خريطة التجارة؟

مع تعطل عدد من مسارات الملاحة البحرية التقليدية بسبب التوترات الجيوسياسية، عاد الممر البحري القطبي الشمالي إلى دائرة الاهتمام، بالتزامن مع استعداد سفينة صينية لخوض تجربة عبور هذا المسار، الذي يُنظر إليه باعتباره طريقًا أقصر بين آسيا وأوروبا.

ورغم أن التغيرات المناخية ساهمت في جعل الملاحة عبر المنطقة القطبية أكثر سهولة مقارنة بالماضي، فإن خبراء في قطاع النقل البحري يرون أن الطريق سيظل في المستقبل المنظور مسارًا محدود الاستخدام، بسبب القيود المناخية وطبيعة السفن القادرة على الإبحار فيه.

الممر القطبي يوفر وقتا وتكاليف أقل

أدت الاضطرابات التي تشهدها بعض طرق الملاحة الرئيسية إلى إعادة التفكير في المسارات البحرية بين آسيا وأوروبا، إذ اضطرت سفن عديدة إلى استخدام طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من المرور عبر البحر الأحمر.

وتشير دراسة لشركة التأمين «كوفاس» إلى أن المسافة عبر الممر القطبي الشمالي يمكن أن تكون أقل بنحو 30% إلى 40% مقارنة بالمسار عبر قناة السويس، كما قد تقل المسافة إلى النصف تقريبًا عند مقارنتها بالطريق حول رأس الرجاء الصالح.

وينعكس قصر المسافة على استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، فضلًا عن إمكانية تقليص زمن الرحلة إلى نحو 20 يومًا، أي قرابة نصف المدة التي تستغرقها بعض المسارات البديلة.

قيود موسمية تعرقل التوسع في الممر القطبي

ورغم المزايا التي يوفرها الطريق، فإن استخدامه على نطاق واسع يواجه عقبات مرتبطة بالظروف المناخية وطبيعة الملاحة في المنطقة.

ويرى بول توري، مدير المعهد العالي للاقتصاد البحري «Isemar» في فرنسا، أن الممر القطبي لا يمكن الاعتماد عليه حاليًا إلا بصورة موسمية، خلال الفترة الممتدة تقريبًا من أغسطس إلى أكتوبر.

كما تحتاج السفن التي تستخدم هذا المسار إلى مواصفات خاصة تؤهلها للملاحة في المناطق القطبية، وهو ما يرفع تكاليف تشغيلها، فضلًا عن أن سفن الحاويات العملاقة المستخدمة في جانب كبير من حركة التجارة العالمية لا تستطيع حاليًا الاستفادة من الطريق بالشكل نفسه.

سفن صينية وكورية تختبر المسار

وتتجه سفينتان إلى اختبار إمكانات الممر القطبي الشمالي، إحداهما سفينة «دبي تاور» التابعة لشركة الشحن الصينية «سي ليجند»، والتي غادرت شرق الصين، والأخرى «بانستار أكرو» التابعة لشركة «بانستار لاين دوت كوم» الكورية الجنوبية ومقرها مدينة بوسان.

وتتميز السفينتان بحمولة أقل بكثير من سفن الحاويات العملاقة، إذ تقل قدرتهما الاستيعابية بنحو عشرة أضعاف مقارنة بالسفن الأكبر المستخدمة في خطوط التجارة الدولية الرئيسية.

إمكانات تجارية محدودة للممر القطبي

ورغم انخفاض المسافات والتكاليف المحتمل، يرى خبراء أن الممر القطبي الشمالي لا يمثل في الوقت الحالي بديلًا كاملًا لمسارات الملاحة التقليدية، وإنما يمكن أن يؤدي دورًا محدودًا في بعض أنواع التجارة.

وتظهر بيانات الملاحة أن 23 سفينة حاويات استخدمت الطريق خلال عام 2023، وهو أعلى رقم مسجل، قبل أن يتراجع العدد إلى 15 سفينة خلال عام 2024.

وتقدر دراسة «كوفاس» أن نحو 3.5% فقط من حركة التجارة الحالية بين شرق آسيا وشمال أوروبا وأمريكا الشمالية يمكن أن تمر عبر الممر القطبي الشمالي.

المواد الخام أبرز المستفيدين

وتشير التوقعات إلى أن الاهتمام التجاري بالممر القطبي سيظل محدودًا حتى عام 2030، مع تركيز محتمل على نقل المواد الخام أكثر من حاويات السلع الاستهلاكية.

وقد يكون المسار أكثر ملاءمة لنقل الشحنات السائلة السائبة، مثل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب بعض أنواع البضائع الجافة السائبة، ومنها الحبوب والخامات ومواد البناء.

وفي بعض الحالات، يمكن أن يؤدي استخدام الطريق إلى خفض تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 45% و50%، خصوصًا إذا أمكن للسفن الإبحار دون الحاجة إلى مرافقة كاسحات الجليد.

الممر القطبي بين الاقتصاد والسياسة

ولا تقتصر أهمية الممر البحري القطبي الشمالي على الحسابات التجارية، إذ يرتبط الطريق أيضًا بالتنافس الاستراتيجي المتزايد بين روسيا والصين والولايات المتحدة على النفوذ في المنطقة القطبية.

وترى بعض التحليلات أن القيمة السياسية للممر قد تتجاوز أهميته التجارية في المرحلة الحالية، خاصة مع تصاعد الاهتمام الدولي بالموارد الطبيعية والممرات البحرية الجديدة في القطب الشمالي.

مخاوف بيئية من زيادة النشاط الملاحي

وفي المقابل، تثير زيادة حركة السفن في المنطقة مخاوف بيئية، إذ يحذر دعاة حماية البيئة من أن النشاط الملاحي المتزايد قد يضيف ضغوطًا جديدة على منطقة تعاني بالفعل من آثار الاحتباس الحراري وتراجع الغطاء الجليدي.

كما أعلنت شركات شحن عالمية كبرى، من بينها CMA CGM وMSC وHapag-Lloyd، تجنب استخدام المسارات القطبية، في ظل المخاوف المرتبطة بالآثار البيئية للملاحة في هذه المنطقة الحساسة.

هل ينافس الممر القطبي قناة السويس؟

ورغم أن الممر القطبي الشمالي يوفر مسافة أقصر في بعض الرحلات بين آسيا وأوروبا، فإن ظروف التشغيل والموسمية والحاجة إلى سفن بمواصفات خاصة تحد من قدرته على منافسة قناة السويس على نطاق واسع.

وبناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن الطريق القطبي يمثل مسارًا مكملًا ومحدود الاستخدام، وليس بديلًا شاملًا للممرات البحرية الرئيسية، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من التجارة العالمية يعتمد على سفن حاويات ضخمة لا تتناسب إمكاناتها مع ظروف الملاحة القطبية.

موضوعات متعلقة

نتنياهو يصف تحرك تركيا عبر الإنتربول بـ«النفاق».. وتصعيد جديد بين أنقرة وتل أبيب

وصف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحرك تركيا لطلب إصدار نشرات حمراء عبر الإنتربول بحقه ومسؤولين إسرائيليين بأنه «نفاق»، في ظل تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب على خلفية…

قرارات مجلس الوزراء اليوم.. «رخصة ذهبية» لمحطة طاقة شمسية وخفض فائدة أقساط الأراضي إلى 12%

وافق مجلس الوزراء، خلال اجتماعه اليوم برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، على حزمة من القرارات المهمة التي شملت مشروعات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتعليم، إلى جانب تيسيرات للمطورين العقاريين ودعم…